صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
14
حركة الإصلاح الشيعي
وتبدأ المرحلة المدروسة هنا في العقد التاسع من القرن التاسع عشر ( 1880 ) ، وذلك للإحاطة ببدايات حركة الإصلاح ، وتنتهي بفترة استقلال لبنان ، حوالي سنة 1943 ؛ بعدها سوف تتابع حركة الإصلاح هذه بطرق مختلفة . هذه الحقبة الغنية بالتقلبات السياسية والاجتماعية ، قد اختصت بالضغط المتزايد الذي كانت أوروپا تمارسه [ على المنطقة ] والذي وصل إلى الاحتلال العسكري ثم تحوّل إلى الانتداب الذي أوكلت بموجبه عصبة الأمم فرنسا [ بلبنان وسوريا ] . إنّ من كان من الرجال من طلبة العلم هم العلماء والمتأدبون ؛ وقد أفردنا لهم ، ولبعض الشخصيات الثانوية الأخرى ، تراجم في آخر هذا الكتاب . ومن البديهي أن بعض هؤلاء العلماء قد ألّفوا وعملوا أكثر من البعض الآخر ؛ فكانت مؤلفاتهم وأعمالهم في صلب هذا الكتاب . غير أن رجال الدين الآخرين قد حظوا باهتمامنا أيضا . وقد حاولنا أن نعيد نسج العلاقات الاجتماعية التي كانوا يرتبطون بها وذلك بإظهار صلاتهم وخطط زواجهم وعلاقاتهم بالفاعلين الآخرين في المجتمع ومتابعتهم حتى في نشاطاتهم اليومية . ما كان رأي العلماء في تعليم الأولاد وتربية المؤمنين وتكوين رجال الدين ؟ ما كان موقفهم من العلوم الدخيلة والحديثة ومن الاختراعات التقنية الحديثة المستوردة من الغرب ؟ هل كانوا ، مثل نظرائهم الإصلاحيين السنة ، يحاربون البدع بالرغم من أنهم لم يقولوا بالعودة بالإسلام إلى عهد الخلفاء الراشدين ؟ وكيف كانوا يعبرون عن هذا الهم ؟ وهذه مسألة تقودنا إلى النظر في مبدأ البدعة عند الشيعة الاثني عشرية وإلى التأمل في بعض الشعائر الشعبية التي قد تكون أساسا لهذا المبدأ . ما كان تصوّر هؤلاء العلماء لدورهم السياسي وكيف ظهر هذا الدور في الحقبة المضطربة ؟ سوف نتطرق إلى وضعهم في الأوقات العصيبة من الفترة التي ندرسها ، كذلك إلى موقفهم من القومية العربية والجامعة الإسلامية . وهل لمسألة الخلافة المطروحة لدى السنة أثر لديهم ؟ هل كان إصلاح الإجتهاد ضروريا في نظرهم ؟ وبنظرة أعمّ فإن ظواهر التنظيم والعقلانية والمنهج ، أي ظواهر تحديث الشعائر الدينية ، هي في صلب هذا الكتاب . إن المصادر التي تستند إليها حججنا تأتي من مرجعين : مرجع داخلي يتعلق بالمجتمع العاملي ، ومرجع يتعلق بنظرة خارجية . الأول نعدّ فيه كتابات العلماء والأدباء ومؤلفاتهم ومقالاتهم الصحفية . يضاف إليها شهادات اخذت أثناء مقابلات أجريت مع أبنائهم وأحفادهم أو مع رجال الدين . وأما المرجع الثاني فيضم ، إلى روايات المسافرين ، أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية . وتتم الفائدة من هذه المقاربة في مقابلة المعلومات الحاصلة وتطابقها في المرجعين . كذلك اعتمدنا في مصادرنا أبحاثا جامعية ظهرت حول جبل عامل ، ولا بد من الإشارة إلى أنها في معظمها صدرت عن باحثين عامليين تعاظم عددهم بعد العام 1970 ، حينما أعيد اكتشاف « الجنوب » ، إن صح التعبير ، وقدّر حق قدره بواسطة الحركة التي قام بها موسى الصدر . أمّا المستشرقون ومؤرخو الشرق الأوسط المعاصر فإنهم لم يلتفتوا إلى هذه المنطقة . فقد قامت بعض